صديق الحسيني القنوجي البخاري

139

فتح البيان في مقاصد القرآن

مخالفتها لما روت ، فالعمل على الرواية الثابتة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم . ومثله حديث يعلى بن أمية قال سألت عمر بن الخطاب قلت : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقد أمن الناس فقال لي عمر عجبت مما عجبت منه فسألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن ذلك فقال : « صدقة تصدق اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته » « 1 » أخرجه أحمد ومسلم وأهل السنن . وظاهر قوله : « فاقبلوا صدقته » أن القصر واجب ، وظاهر هذا الشرط أعني إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ أي يغتالكم ويقتلكم في الصلاة الَّذِينَ كَفَرُوا أن القصر لا يجوز في السفر إلا مع خوف الفتنة من الكافرين لا مع الأمن ، ولكنه قد تقرر بالسنة أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قصر مع الأمن كما عرفت . فالقصر مع الخوف ثابت بالكتاب ، والقصر مع الأمن ثابت بالسنة ، ومفهوم الشرط لا يقوى على معارضة ما تواتر عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم من القصر مع الأمن . وقد قيل إن الشرط خرج مخرج الغالب ، لأن الغالب على المسلمين إذ ذاك القصر للخوف في الاسفار ، ولهذا قال يعلى بن أمية لعمر كما تقدم . وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن هذه الآية إنما هي مبيحة للقصر في السفر للخائف من العدو ، فمن كان آمنا فلا قصر له ، وإليه ذهب داود الظاهري . وذهب آخرون إلى أن قوله : إِنْ خِفْتُمْ ليس متصلا بما قبله ، وأن الكلام تم عند قوله : مِنَ الصَّلاةِ ثم افتتح فقال : إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فأقم لهم يا محمد صلاة الخوف . قال الفراء أهل الحجاز يقولون فتنت الرجل ، وربيعة وقيس وأسد وجميع أهل نجد يقولون أفتنت الرجل ، وفرق الخليل وسيبويه بينهما فقالا : فتنته جعلت فيه فتنة مثل كحلته ، وأفتنته جعلته مفتنا ، وزعم الأصمعي أنه لا يعرف أفتنته ، والمراد بالفتنة القتال والتعرض بما يكره إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً معترض ذكر معنى هذا الجرجاني والمهدوي وغيرهما ، ورده القشيري والقاضي أبو بكر بن العربي . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 102 ] وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً ( 102 )

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في المسافرين حديث 4 ، وأبو داود في السفر باب 1 ، والصلاة باب 263 ، والترمذي في تفسير سورة 4 ، باب 20 ، والنسائي في الخوف باب 1 ، وابن ماجة في الإقامة باب 73 ، والدارمي في الصلاة باب 179 ، وأحمد في المسند 1 / 25 ، 36 ، 6 / 63 .